الشيخ محمد رشيد رضا

466

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على من يبغضهم ويتبرأ منهم . وانما يصح ان يكون حجة على من والى معاوية ونصره عليه . فهو لا يدل على الإمامة بل يدل على نصره اماما ومأموما . ولو دل على الإمامة عند الخطاب لكان اماما مع وجود النبي ( ص ) والشيعة لا تقول بذلك ، وللفريقين أقوال في ذلك لا نحب استقصاءها والترجيح بينها ، لأنها من الجدل الذي فرق بين المسلمين ، وأوقع بينهم العداوة والبغضاء . وما دامت عصبية المذاهب غالبة على الجماهير فلا رجاء في تحريهم الحق في مسائل الخلاف ، ولا في تجنبهم ما يترتب على الخلاف من التفرق والعداء . ولو زالت تلك العصبية ونبذها الجمهور لما ضر المسلمين حينئذ ثبوت هذا القول أو ذاك ، لأنهم لا ينظرون فيه حينئذ الا بمرآة الانصاف والاعتبار ، فيحمدون المحقين ، ويستغفرون للمخطئين ( ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا . ربنا انك رؤوف رحيم ) ثم اننا نجزم بأن مسألة الإمامة لو كان فيها نص من القرآن أو الحديث لتواتر واستفاض ، ولم يقع فيها ما وقع من الخلاف ، ولتصدى علي للقيام بأمر المسلمين يوم وفاة النبي [ ص ] فخطبهم وذكرهم بالنص ، وبين لهم ما يحسن بيانه في ذلك الوقت . وكان هو الواجب عليه لو كان يعتقد انه الامام بعد رسول اللّه [ ص ] بأمر من اللّه ورسوله . ولكنه لم يقل ذلك ولا احتج بالآية هو ولا أحد من آل بيته وأنصاره الذين يفضلونه على غيره ، لا يوم السقيفة ولا يوم الشورى بعد عمر ، ولا قبل ذلك ولا بعده في زمنه ، وهو هو الذي كان لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ولم يعرف التقية في قول ولا عمل ؛ وانما وجدت هذه المسائل ، ووضعت لها الروايات واستنبطت الدلائل ، بعد تكوّن الفرق وعصبية المذاهب . والوصية بالخلافة لا مناسبة لها في سياق محاجة أهل الكتاب ، فهي مما لا ترضاه بلاغة القرآن . بل لو أراد النبي ( ص ) النص على خليفته من بعده وتبليغ ذلك للناس لقاله في خطبته في حجة الوداع . وهي التي استشهد الناس فيها على تبليغه فشهدوا ، واشهد اللّه على ذلك . دع سياق الآية وما قبلها وما بعدها ، فإنها هي نفسها لا تقبل ان يكون المراد بالتبليغ فيها تبليغ الناس امارة عليّ ، فان جملة « وان لم تفعل » الشرطية ، التي بعد جملة « بلغ » الأمرية ، وجملة الامر بالعصمة ، وجملة التذييل التعليلي بنفي هداية الكافرين -